سيد قطب

3553

في ظلال القرآن

ولم يجئ الإسلام لينعزل هذه العزلة . إنما جاء ليحكم حياة البشرية ويصرفها . ويهيمن على كل نشاط فردي وجماعي في كل اتجاه . والبشرية لا تعيش أفرادا إنما تعيش جماعات وأمما . والإسلام جاء ليحكمها وهي كذلك . وهو مبني على أساس أن البشر يعيشون هكذا . ومن ثم فإن آدابه وقواعده ونظمه كلها مصوغة على هذا الأساس . وحين يوجه اهتمامه إلى ضمير الفرد فهو يصوغ هذا الضمير على أساس أنه يعيش في جماعة . وهو والجماعة التي يعيشون فيها يتجهون إلى اللّه ، ويقوم - فيها - على أمانة دينه في الأرض ، ومنهجه في الحياة ، ونظامه في الناس . ومنذ اليوم الأول للدعوة قام مجتمع إسلامي - أو جماعة مسلمة - ذات قيادة مطاعة هي قيادة مطاعة هي قيادة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وذات التزامات جماعية بين أفرادها ، وذات كيان يميزها عن سائر الجماعات حولها ، وذات آداب تتعلق بضمير الإنسان مراعى فيها - في الوقت ذاته - حياة هذه الجماعة . . وذلك كله قبل أن تقوم الدولة المسلمة في المدينة . بل إن قيام تلك الجماعة كان هو وسيلة إقامة الدولة في المدينة . . وننظر في هذه الآيات الثلاث فنرى امتزاج الخلق الفردي بالحاجة الجماعية ، في ظل العقيدة الدينية ، وطبيعتها التي تقتضي تحقيقها في الحياة البشرية في صورة نظام يقوم عليه من يحرسه ويتولاه . إن الآيتين الأوليين تتضمنان العقاب من اللّه سبحانه والاستنكار لأن يقول الذين آمنوا ما لا يفعلون . . وهما بهذا ترسمان الجانب الأصيل في شخصية المسلم . . الصدق . . والاستقامة . وأن يكون باطنه كظاهره ، وأن يطابق فعله قوله . . إطلاقا . . وفي حدود أبعد مدى من موضوع القتال الذي يجيء في الآية الثالثة . وهذه السمة في شخصية المسلم يدق القرآن عليها كثيرا ، وتتابعها السنة في تكرار يزيدها توكيدا : يقول اللّه تعالى منددا باليهود : « أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ . أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ » . . ويقول تعالى منددا بالمنافقين : « وَيَقُولُونَ : طاعَةٌ . فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ » . . ويقول فيهم كذلك : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ، وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ » . . ويقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان « 1 » » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة . ولعل الحديث الذي سنذكره هنا من أدق وألطف التوجيهات النبوية الكريمة في هذا الاتجاه . . روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة قال : أتانا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : وأنا صبي ، فذهبت لأخرج لألعب . فقالت أمي : يا عبد اللّه تعال أعطك . فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - : « وما أردت أن تعطيه ! » فقالت : تمرا . فقال : « أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة » . . ولعله استقاء من هذا النبع النبوي الطاهر الرائق امتنع الإمام أحمد بن حنبل - رضي اللّه عنه - من الرواية من رجل سافر إليه مسافات شاسعة ليأخذ عنه حديثا . حينما وجده يضم حجره ويدعو بغلته يوهمها بطعام وحجره فارغ ! فتحرج أن يروي عنه ، وقد كذب على بغلته ! فهذا بناء أخلاقي دقيق نظيف لضمير المسلم وشخصيته التي تليق بمن يقوم أمينا على منهج اللّه في الأرض .

--> ( 1 ) رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة .